محمد بن يزيد المبرد

468

المقتضب

فإنّ هذا البيت ينشد على ضروب : فمن قال : « يا نصر نصرا نصرا » ، فإنّه جعل المنصوبين تبيينا لمضموم ، وهو الذي يسمّيه النحويّون عطف البيان ، ومجراه مجرى الصفة ، فأجراه على قولك : « يا زيد الظريف » . وتقديره تقدير قولك : « يا رجل زيدا أقبل » . جعلت زيدا بيانا ل « الرجل » على قول من نصب الصفة . وينشد : « يا نصر نصر نصرا » ، جعلهما تبيينا ، فأجرى أحدهما على اللفظ ، والآخر على الموضع ؛ كما تقول : « يا زيد الظريف العاقل » ، ولو حمل « العاقل » على « أعني » ، كان جيّدا . ومنهم من ينشد : « يا نصر نصر نصرا » . يجعل الثاني بدلا من الأوّل ، وينصب الثاني على التبيين . فكأنّه قال : « يا نصر نصرا » . وأمّا الأصمعي فزعم أنّ هذا الشعر « يا نصر نصرا نصرا » وأنّه إنّما يريد : المصدر ؛ أي : انصرني نصرا . وقال أبو عبيدة : هذا تصحيف إنّما قاله لنصر بن سيّار : « يا نصر ، نصرا نصرا » إغراء ، أي : عليك نصرا ، يغريه به . * * * اعلم أنّ البدل في جميع العربيّة يحلّ محلّ المبدل منه . وذلك قولك : « مررت برجل زيد » و « بأخيك أبي عبد اللّه » . فكأنّك قلت : « مررت بزيد » ، و « مررت بأبي عبد اللّه » . فعلى هذا تقول : « يا زيد أبا عبد اللّه » فتنصب « أبا عبد اللّه » نعتا كان أو بدلا ؛ لأنّك إذا أبدلته منه ، فكأنّك قلت : « يا أبا عبد اللّه » . وتقول : « يا أخانا زيدا أقبل » ؛ لأنّ البيان يجري مجرى النعت . فكأنّك قلت : « يا أخانا الظريف أقبل » . لا يكون في « الظريف » إلّا النصب . ولا في « زيد » إذا كان تبيينا . * * * واعلم أنّ المعطوف على الشيء يحلّ محلّه ؛ لأنّه شريكه في العامل . نحو : « مررت

--> بيان عليه باعتبار لفظه ، وقوله : « نصرا » الثالث عطف بيان عليه باعتبار محلّه ، ولا يجوز في الثاني أو الثالث أن يجعل بدلا من المنادى ، وذلك لأنّ البدل على نيّة تكرار العامل ، فلو أدخلت حرف النداء على واحد من هذين لما جاز رفع الأوّل ونصب الثاني ، إذ كلّ واحد منهما علم مفرد ، والعلم المفرد إذا دخل عليه حرف النداء وجب بناؤه على الضمّ ، لكنّ عطف البيان ليس كذلك ، بل يجوز فيه الاتباع على اللفظ فيرفع ، والاتباع على المحل فينصب ، ويروى : « يا نصر نصرا نصرا » ، وفي هذه الرواية يجوز اعتبار « نصرا » الأولى مفعولا مطلقا ، والثانية توكيدا له . وقيل : « نصر » الأوّل هو نصر بن سيّار ، أمير خراسان ، والثاني حاجبه ، ونصب على الإغراء ، يريد : يا نصر عليك نصرا . وقيل : النصر : العطيّة ، ويريد : يا نصر عطيّة عطيّة .